Ce portail est maintenant disponible en tant qu’archive uniquement. Merci à tous ceux qui ont contribué à promouvoir le patrimoine culturel de la ville de Salé et du Maroc depuis 2002.

هذه البوابة متاحة الآن كأرشيف فقط. شكرا لجميع الذين ساهموا في تعزيز التراث الثقافي لمدينة سلا والمغرب منذ 2002
Accueil arrow Selwane arrow Patrimoine arrow المسجد الأعظم في سلا
Ayyoo multimédia & audiovisuel Le portail de la ville de Salé Selwane.TV Le portail dédié au projet du Bouregreg Portail de l'Aîta et de la musique marocaine
 

 À propos de Selwane.com     Contactez-nous/Envoyer un article
المسجد الأعظم في سلا Version imprimable Suggérer par mail
Ecrit par جودية حصار بنسليمان - وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية   

شكلت مدينة سلا قطبا علميا هاما قصده الفقهاء والعلماء، مما جعل المدينة تلعب دورا رياديا في تاريخ المغرب الإسلامي، وأهلها إلى جلب اهتمام العديد من السلاطين والأمراء، والتحول إلى قبلة لبعض العائلات الأندلسية التي فرت ويلات محاكم التفتيش للاحتماء بأسوارها. هذه العوامل سمحت لمدينة سلا بأن تسمو إلى مرتبة عالية (1) وتصبح في فترات تاريخية عديدة – خاصة الفترتين الموحدية والمرينية- إحدى أهم المراكز العلمية إلى جانب فاس وسبتة وتلمسان.
لكن هذه المدينة العريقة بقيت، رغم مكانتها الخاصة، قليلة المساجد الجامعة، وبقي المسجد الأعظم منذ تأسيسه المحور الجامع والموحد لسكان المدينة، مما يجعل استقراء خطوط تصميمه وخاصياته المعمارية والأثرية استقراء في حقيقة الأمر لتاريخ سلا وتطور ساكنتها وجسامة دورها السياسي والعلمي والفكري.

من هذا المنطلق سوف نتطرق في هذه المساهمة إلى النقط التالية:

1 - المسجد الأعظم وإشكالية التأسيس

2 - المسجد الأعظم والمميزات المعمارية

3 - المسجد الأعظم والعمارة الدينية الموحدية

1 - المسجد الأعظم وإشكالية التأسيس
إن طرح إشكالية تأسيس المسجد الأعظم مرتبط أساسا بقلة المعلومات التاريخية المتعلقة بهذه المعلمة وعدم دقتها، وفي نفس الوقت بسبب أعمال الترميم والتجديد التي، عكس باقي المساجد المغربية، أفقدت البناية أصالتها وطمست جل خاصياتها الزخرفية الأصيلة. ولمقاربة هذه الإشكالية يبقى من الضروري دراسة وتحليل الوثائق المتوفرة، سواء تلك التي جاءت بها المصادر التاريخية أو تلك التي ما زال المسجد يحتفظ بها بين بلاطاته وأروقته.
وأول هذه الوثائق تتمثل في نقيشتين سنعتمدها كمنطلق في تحليلنا واستقرائنا للحقيقة التاريخية المتعلقة بإشكالية التأسيس.
تتواجد النقيشة الأولى في البلاط الأوسط للمسجد والمتعامد مع جدار القبلة، في الجهة المقابلة مع المحراب، وهي نقيشة مكتوبة بخط نسخي وتحتوي على النص التالي: "أسس هذا المسجد عام 420 هـ (1029- 1030م)".
أما النقيشة الثانية فتتواجد بالقبة الجنائزية المتواجدة بالزاوية الجنوبية للمسجد، بالبلاط الموازي لجدار القبلة، وتحمل سنة 590هـ الموافق لسنتي 1193 و 1194 م.
من جهة أخرى، يذكر صاحب كتاب الاستبصار (2)في حديثه عن مدينة سلا وعن استقرار بني عشرة بها النص التالي: "وقد كان اتخذ أرباب البلد العشريون وأولياؤهم مدينة بالعدوة الشرقية (لشالة) وهي المعروفة الآن بسلا، فيها ديارهم بحومة الجامع، ولم يبق منه سوى المنار، وأما السقف كله فتهدم واحتمى الغرباء ببنائه في سنة أربع وسبعين وخمسمائة الموافق لسنة 1178م " (3).
ويروي محمد بن علي الدكالي أن الجامع الأعظم بطالعة سلا من بناء "السلطان الأعظم والملك الأكرم، ذو المزايا الكثيرة، والغزوات الشهيرة يعقوب المنصور الموحدي: بناه سنة ثلاث وتسعين وخمس مائة، وهو من أعظم مساجد الإسلام وأحسنها شكلا، وأفسحها مجالا وأنزهها منظرا"(4)، مشيرا في الوقت نفسه، اعتمادا على رواية لعبد المنعم الحميري، إلى أنه "كان يعمل في بنائه ونقل حجارته وترابه سبع مائة أسير من أساري الإفرنج في قيودها"(5).
وجاء في مصادر أخرى مثل كتاب الاستقصا للناصري أن أبا محمد عبد الحليم بن عبد الله المرسي المعروف بالغماد، أحد علماء وصلحاء مدينة سلا، قد توفي سنة 587/1193- 1194 ودفن بجوار المسجد الأعظم، قرب الباب الرئيسي لجدار القبلة(6).
وفي سنة 593/1196 أمر الخليفة يعقوب المنصور الموحدي بتوسيع المسجد، واستمرت الأشغال ثلاث سنوات لتنتهي سنة 595/1198- 1199، إذ يؤكد الناصري أن الخليفة المنصور الموحدي أجتاز في سفره إلى الأندلس سنة 591/1194 "بأرض سلا وأمر أيضا ببناء مدينة رباط الفتح فأسست سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، وكمل سورها (...) وأمر ببناء المسجد الأعظم بطالعة سلا ومدرسة الجوفية منه"(7)، وكان أول من ولي الخطبة فيه على عهد مؤسسه يعقوب المنصور "الفقيه الأديب المشارك المتفنن الورع الدين، الحافظ الثبت الفاضل، أبا محمد عبد الله ابن سليمان بن داود بن حوط الله الأنصاري" (8)قاضي مدينتي سلا ورباط الفتح.
يتبين إذن من خلال هذه الوثائق كلها أن المسجد الأعظم قد أسس على عهد بني يفرن في سنة 420 هـ الموافق 1028- 1029م، ومن المرجح أن يكون من عمل الأمير تميم اليفرني الذي عرف بتقواه وإيمانه بالمذهب السني من جهة، وعظمة ملكه وقوة سلطانه من جهة أخرى، إلى درجة أنه سار إلى مدينة فاس على رأس اليفرانيين في مواجهة المد الشيعي للفاطميين، إذ يروي الناصري أنه "لما كانت سنة 424/1032 كان الأمير على بني يفرن أبا الكمال تميم ابن زيري بن يعلي بن محمد بن صالح اليفرني، فزحف من سلا إلى فاس في قبائل بني يفرن ومن انضاف إليه من زناتة، وبرز إليه حمامة في جموع مغراوة ومن إليهم (...) ومات من مغراوة أمم، واستولى تميم على فاس وأعمال المغرب"(9).
وإذا كانت هذه القرائن كلها تدفع إلى تأريخ النواة الأولى للمسجد بالفترة اليفرينية، فإن التصميم الحالي يبرز من جهته، بما لا يدع مجالا للشك، بأن البناية قد مرت بمراحل وشهدت إضافات، مما يجعل من المسجد نتاجا لتلك الزيادات والإضافات التي تمت على عهد كل من بني يفرن والخليفة الموحدي يعقوب المنصور والسلطان العلوي عبد الرحمن بن هشام.

2 - المسجد الأعظم: المميزات المعمارية
أقيم المسجد الأعظم فوق مساحة شاسعة تزيد عن 5070 مترا مربعا، تغطي مربعا منحرف الشكل ( trapèze )، تصل مقاييسه إلى 40. 90 مترا في الجهة الشرقية (حائط القبلة)، و 75. 62 مترا في الجهة الجنوبية الغربية، و 80. 53 مترا في الجهة الشمالية الشرقية و 50. 75 مترا في الجهة الشمالية الغربية. تضم هذه الساحة التي تحيط بها أسوار عالية مبنية من الطابية قاعتين للصلاة وثلاثة صحون ومجموعة من الملحقات، وجاء كباقي المساجد الموحدية ليضاهي أكبر الجوامع الإسلامية بأعمدته العالية وأقواسه المختلفة الأشكال وتصميمه المحكم.

بيت الصلاة
يتكون بيت الصلاة من ثلاثة عشر بلاطا متعامدا مع جدار القبلة، مقسمة إلى سبعة أساكيب محمولة على دعامات وأقواس عالية ضخمة مختلفة الأحجام والأشكال، كتلك التي اعتمدت في باقي المساجد الموحدية مثل الكتبية بمراكش وتنمل بمدينة تنمل الأثرية والمسجد الكبير بمدينة تازة(10). يتوسط هذه البلاطات العمودية بلاط يتميز باتساعه وعلوه، يؤدي مباشرة إلى المحراب ليلتقي بالبلاط الموازي لجدار القبلة ويحددا عند التقائهما قبة مقرنصة تزيد وترفع من مكانة المحراب، ويرسما تصميما يأخذ شكل حرف التاء اللاتيني.
ولتسهيل عملية ولوج المصلين إلى قاعة الصلاة تم تزويد المسجد بخمسة أبواب موزعة على جهاته الأربع، من أبرزها الباب الرئيسي المنفتح بالجهة الشرقية والذي يؤدي مباشرة إلى الأسكوب الموازي لجدار القبلة. يتشكل هذا الباب من قوس منكسر متجاوز مبني بحجارة منجورة ملساء، تعلوه زخرفة هندسية وتحيط بجهاته الثلاث أخاديد متوازية ترسم إطارا مستطيلا خاليا من الزخرفة، محافظا بذلك على العادة الموحدية- المميزة للمرحلة الأولى لهذا العهد- الرافضة لكل إسراف في النقوش والتزيين.
تقابل هذه القاعدة المتناسقة الأطراف مجموعة من الملحقات، تتكون من ثلاث بلاطات شمال الصحن الرئيسي وأربعة في واجهته الجنوبية. تتميز هذه الأخيرة بتناسق مكوناتها وتراتبية مختلفة اختلافا كبيرا عن باقي المسجد، بحيث تغطي مساحة مستطيلة الشكل يصل عمقها إلى 22 مترا وعرضها إلى 15. 25 مترا، مقسمة إلى أربعة بلاطات متعامدة مع الجدار القبلي وستة أساكيب، تحملها دعامات مربعة الشكل، وهي أقل اتساعا من تلك المتواجدة في الأجزاء الأخرى للمسجد. أما الجزء المتبقي والذي يحتل الواجهة الغربية، فينتظم في شكل مستطيل يحتل مساحة الأسكوبين الأخيرين على شاكلة صحن صغير مكمل لبيت الصلاة.
من ناحية ثانية، يحتفظ هذا الجزء من المسجد بعنصرين هامين. أولهما يتواجد بالبلاط الثاني وهو عبارة عن حنية ( niche ) تحتل وسط الجدار القبلي، يبدو أنها بقايا لمحراب. أما العنصر الثاني فهو باب جانبي مفتوح في الواجهة الجنوبية ويؤدي مباشرة إلى الصحن الثانوي بالجهة الجنوبية للمسجد. إن هذين العنصرين يؤكدان بأن هذا الجزء من المسجد قد توفر على كل المكونات التي تجعل منه مسجدا مستقلا وكافيا لإيواء المصلين.
من ناحية أخرى، تبرز هذه الاختلافات كلها أن هذا الجزء من المسجد الأعظم يشكل النواة الأولى لمسجد القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، إذ تتفرد هذه القاعدة المخصصة حاليا للنساء بخاصيات ومقاييس تدفع بالجزم على أنها بنيت في فترة سابقة للفترة الموحدية، وتفسر في نفس الوقت الأسباب التي أدت إلى تغاضي الطرف من طرف الموحدين على تلك القواعد المعمارية الصارمة التي نلاحظها في كل من تنمل وتازة وحسان، والتي اعتمدت الدقة والتناسق معا(11).

الصحن الرئيسي
تنفتح قاعة الصلاة في واجهتها الشمالية الغربية على مربع منحرف الشكل، تتراوح مقاييسه ما بين 30 مترا و10 .18 مترا يشكل الصحن الرئيسي للمسجد. هذا الأخير تحيط به صفوف من الأقواس المنكسرة المتجاوزة تتوسطها في الواجهة الجنوبية الشرقية عقود مزدوجة تساهم في تحديد موقع المحراب الصيفي أو العترة وترفع من مكانتها لتنضم بذلك إلى الكشك الأوسط والمحراب وتزيد من أهمية البلاطة الوسطى ومحوريتها بالنسبة للمسجد بصفة عامة وبيت الصلاة بصفة خاصة.

الصحنان الجانبيان
من خصائص المسجد الأعظم وجود صحنين جانبيين يزيدانه تناسقا واتساعا مما يسمح بتصنيفه ضمن المساجد الكبرى في العالم الإسلامي. يحتل هذان الصحنان الجانبيان الواجهتين الجنوبية والشمالية للمسجد، ويغطيان مساحتين مستطيلتين تشكلان امتدادا للأروقة الجانبية. إن هذا التصميم، رغم تشابهه بذلك الموجود بمسجدي حسان بالرباط والقصبة بمراكش، يطرح عدة تساؤلات عن أصل هذين الصحنين وتاريخ بنائهما. فقد حاول البعض ربطهما بالمسجد الفاطمي بالمهدية بتونس التي دخلها أبو يعقوب يوسف منتصرا، أما البعض الآخر فيرى فيهما ما يذكر بالزيادات التي عرفها مسجد سامراء بالعراق وابن طولون بمصر.
لكن يظهر أن اللجوء إلى هذه الصحون الجانبية جاء رغبة في توسيع الطاقة الاستيعابية للمسجد وفي نفس الوقت تعبيرا عن السياسة الموحدية التي حاولت أن تجسد من خلال تصاميم مساجدها عظمتها وقوتها السياسية وازدهار فنونها وعمارتها خدمة للإسلام الذي نصبت نفسها حارسة له وحامية لأرضه.

الزخرفة
من الصعب الحديث عن الزخرفة الأصيلة للمسجد الأعظم بسبب تعرض جل مكونات هذه المعلمة إلى ترميم لم يأخذ في غالب الأحيان بعين الاعتبار أهمية المحافظة على البنيات الأصلية للبناية، مما أدى إلى تغيير جذري لعناصرها وبالتالي الجهل التام بالخاصيات المعمارية لجدار القبلة وللمحراب والقبب التي استغلت وطورت من طرف حرفيي الموحدين لتزيين مساجدهم.

الأبواب
يتوفر المسجد على خمسة أبواب موزعة على مختلف الواجهات. لكن اثنين فقط يحتفظان ببعض المميزات الزخرفية.
يوجد الأول بالجهة الجنوبية الشرقية وينفتح بجانب المحراب بواسطة قوس منكسر متجاوز (arc brisé outrepassé ولبنات من الحجارة المنجورة تستقبلها عضاضتان (droits- pieds) بسيطتان وخاليتان من الزخرفة. أما ظاهر القوس فتزينه عقود مصففة (arc polylobé) تنتهي بزخارف أفعوانية (serpentiforme) .وتعلوها نقيشتان تحتضنان زخرفة خطية "الملك لله" تسجيلا لوظيفته الثانية والمتمثلة في استعماله كمقر للقضاء، وتذكيرا وتنبيها للقضاء والمتقاضين الذين كانوا يقصدونه للجلوس لرد المظالم.
أما الباب الثاني فينفتح في وسط الواجهة الشمالية الغربية، ويتميز ببساطة زخرفته وانسجام خطوطه. لكن الزخرفة الجصية التي أضيفت إلى واجهته في العقود الأخيرة طمست ملامحه وغيرت الكثير من مكوناته فأفقدته جماليته الأولى ورونقه الأصيل.

الأقواس
من خصائص الزخرفة الموحدية البساطة في التشكيل والانسجام في الأشكال والبنيات بصفة عامة. هذه الخاصية لم تقتصر على الأبواب والواجهات بل تعدتها إلى القبب والأقواس.
هذه الأخيرة خضعت لنفس التقسيمات ونفس التراتيبة لتسهم في الرفع والفصل بين مختلف مكونات المسجد الأعظم ما هو الشأن في مسجدي تنمل والكتبية، وذلك باستعمال أقواس مفصصة (polylobé) موازية لجدار القبلة لتأخذ مكان الأقواس المنكسرة المتجاوزة (brisés outrepassés) الشائعة بباقي المسجد.
لقد تم الالتزام في هذه القاعة بشكل لافت للنظر في المسجد الأعظم، وتم اللجوء إلى ثلاث أنواع من الأقواس لتحقيق ذلك الهدف وتفادي الإطناب والتداخل وإتعاب العين. فبموازاة جدار القبلة تجري سلسلة من الأقواس المفصصة لتزيد من علو وجمالية البلاطة – الأسكوب. أما البلاطات الأخرى فتعلوها عقود منكسرة متجاوزة (brisés outrepassés) سباعية وأخرى خماسية محمولة بواسطة دعامات ضخمة مستطيلة الشكل بقاعة الصلاة ومصلبة الشكل في الواجهة الموازية للصحن الرئيسي للمسجد.
من جهة أخرى تضم الواجهة الجنوبية الشرقية للصحن قوسين متجاوزين يحملهما عمود يعلوه تاج مزخرف بصف لأوراق الأقنثة وإفريز مما يجعل منه مثالا يشبه تلك التيجان الأموية التي تزين محراب مسجد الكتبية بمراكش.

المنارة
تقع المنارة في الصحن الشمالي الشرقي، وهي من بناء السلطان عبد الرحمن بن هشام سنة 1256هـ كما تدل على ذلك نقيشة تعلو الباب المؤدي إلى داخلها. أما المنارة الموحدية فقد تهدمت واندثرت معالمها. وقد ذكر الفقيه ابن علي الدكالي أنه كانت "للمسجد الأعظم منارة رفيعة من بناء يعقوب المنصور الموحدي، لكنها تصدعت بصاعقة أولى وثانية فنقضت سنة 1244هـ عن إذن أمير المؤمنين عبد الرحمن رحمه الله، وأعيد بناؤها فجاءت في غاية الإحكام والحسن والإتقان، وفرغ من بنائها عام 1256، وجل المصروف عليها من بيت المال، وبعضه من الأحباس، ومقدار ما صرف عليها ثلاثة آلاف ريال" [12] . وقد أورد المؤرخ جعفر الناصري نفس الرواية أثناء الحديث عن آثار المولى عبد الرحمن بن هشام ( 1238- 1276/1822- 1859) مؤكدا أنه من آثار هذا السلطان "البرجان العظيمان بسلا وأشبار الكبير المواجهة للبحر والمارستان الكبير، ضريح الشيخ ابن عاشر والمنار الشهير بالمسجد الأعظم منها (...) وانفق عليه بواسطة أمناء مرسى العدوتين (...) سنة 1256 الموافق لسنة 1840 وكان يتولى النظارة يومئذ والقيام على البناء عامل سلا السيد الحاج أحمد بن محمد بن الهاشمي عواد"(13). ويذهب الناصري إلى غير ذلك ويرجع سبب تهدم الصومعة إلى هجوم الفرنسيين سنة 1268/1851 إذ يروي أنه في هذه السنة "هجم الفرنسيس على ثغر سلا (...) وكان الكور والبنب [القنابل] الذي رمى به العدو في ذلك اليوم شيئا كثيرا (...) وقتل أناس ووقع في المسجد الأعظم ومناره كور كثير خرق السقوف والحيطان (...) فأنعم السلطان [المولى محمد بن عبد الرحمن] على الناس بإصلاحها من بيت المال" (14). وتبقى هذه الرواية الأخيرة مستبعدة إذ أن النقيشة السالفة الذكر والتي تزين الواجهة الشرقية للمنارة ما زالت تحمل تاريخ"7 جمادى الثانية عام 1256/1840- 1841)، وبالتالي تأريخها بعهد السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام.
ويبدو من خلال صور تعود إلى القرنين السادس والسابع عشر الميلاديين أن المنارة تشبه منارة المسجد العتيق بقصبة الاوداية، التي يرجع بناؤها إلى عهد الخليفة عبد المومن بن علي وتظهر على واجهاتها بعض الإفريزات الزخرفية وخاصة التشبيكات النباتية والمعمارية ذات الأشكال الهندسية والأقواس المصففة أو المقرنصة التي أبدع منها الحرفيون خلال هذه الفترة أشكالا متنوعة ومتميزة جعلت منها عنصرا مفضلا على واجهات جل صوامع الفترات اللاحقة.

3 - المسجد الأعظم والعمارة الدينية الموحدية
إن هذه الدراسة الموجزة للمسجد الأعظم تؤكد أن هذه المعلمة التي تغطي مساحة تصل إلى 5070 متر مربع والتي ترتفع فوق مائتين وثلاثة وثلاثين دعامة، تشكل سجلا يحتفظ بين جنباته على صفحات غنية من تاريخ مدينة سلا تدعو إلى مزيد من الاستقراء والتمحيص. فمن خلال هذه القراءة الأولية يمكن الجزم بأن الجزء المخصص حاليا إلى مسجد النساء يشكل النواة الأولى لجامع القرنين الحادي والثاني عشر الميلاديين. أما التصميم الحالي فقد أدمج البناية الأولى وزاد عليها زيادات تترجم رغبة الخلفاء الموحدين في ترك بصمات واضحة تجسد عظمة ملكهم وتليق بمدينة سلا وتبرهن في نفس الوقت على ازدهار المدينة وارتفاع عدد ساكنتها.
من جهة أخرى جاء المسجد الأعظم ببلاطاته المتعامدة مع جدار القبلة وأقواسه المختلفة والمتنوعة وزخرفته البسيطة والمتناسقة ليؤكد على نضج وشيوع قوالب العمارة الموحدية، تلك القوالب التي نجدها في مساجد المدن الكبرى كالكتبية بمراكش وحسان بالرباط والقصبة بإشبيلية، حيث المحارب المزينة بأقواس منكسرة ومتجاوزة وبزخرفة جصية بسيطة تتفادى الإطناب الذي سوف يميز الفترة المرينية. فقد عاشت خلال هذه الفترة الزخارف الجصية النباتية والهندسية وتركزت في المحراب دون غيره، وبقيت بعيدة كل البعد عن الغلو والتشعب كما هو بارز في محاريب جوامع الكتبية وحسان والخيرالدا. من جهة أخرى، استطاعت هذه الجوامع أن تحقق تقابلا وتطابقا في التوزيع العام لمكوناتها وذلك بإخراج جميع الملحقات على خارج المسجد، وبدت بذلك كما هو الحال بالمسجد الأعظم بسلا، أكثر انتظاما وفخامة من مساجد الفترات السابقة.
في نفس الوقت، يظهر من خلال المسجد الأعظم بسلا الاهتمام الواضح بالمحراب من خلال الأهمية المخصصة للبلاط الأوسط والبلاط الموازي لجدار القبلة والعترة (المحراب الصيفي) والقبة التي ترتفع أمام المحراب الرئيسي، مع اعتماد تمايز بارز بين البلاط الموازي لجدار القبلة باعتماد العقود العمودية والمصففة، وبين باقي البلاطات حيث اقتصر على العقود المنكسرة والمتجاوزة المصقولة ( lissees )، وهي عناصر كلها أدخلت من أجل إبراز مكانة وقوة العمارة الموحدية وتميزها ومن خلالها تجسيد عظمة إمبراطوريتهم وحكمهم.

الهوامش:
(1) - يروي عبد المنعم الحميري بأن المدينة "منيعة من جهة البحر(...) وهي حسنة في أرض رمل، ولها سوق نافقة وتجارات ودخل وخرج، ولأهلها سعة وأموال، والطعام بها كثير رخيص جدا (...) ومراكب أهل اشبيلية وسائر المدن الساحلية من الأندلس يقلعون عنها ويحطون بها بضروب من البضائع (...) ويتجهز منها بالطعام إلى سائر بلاد الأندلس الساحلية" أنظر: محمد بن عبد المنعم الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق إحسان عباس، مكتبة لبنان، الطبعة الثانية، بيروت، 1984، ص 319
(2)- كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار، وصف مكة والمدينة ومصر وبلاد المغرب، نشر وتعليق سعد زغلول عبد الحميد، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 1985، وهو مؤلف مجهول يرجع تاريخ تأليفه إلى سنة 587هـ.
(3)- كتاب الاستبصار، المصدر السابق، ص 140
(4)- محمد بن علي الدكالي، الإتحاف الوجيز، تحقيق مصطفى بوشعراء، منشورات الخزانة الصبيحية، سلا، 1986ن ص 51
(5)- محمد بن علي الدكالي، نفسه ص 51
(6)ــJ hassan – Benslimane, Le Passé de la ville de Salé dans tous ses états, Histoire, archéologie, archives, Maisonneuve et Larose,Paris, 1992,p.73
(7)- أحمد خالد الناصري، كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، الجزء الثالث، منشورات وزارة الثقافة، الرباط، 2001، ص 160
(8)- محمد بن علي الدكالي، نفسه ص 51- 52
(9)- الناصري، كتاب الاستقصا، الجزء الثاني، ص 141
(10)-Voir L. Golvin, Essai sur l’architecture religieuse musulmane, éditions Klinksieck, Paris, tome 4, 1979, p. 248 et ss
(11)- قارن بين تصاميم المساجد الموحدية بكل من إشبيلية والرباط وتازة ومراكش.
L.Golvin, Essai sur l’architecture…, op. cit., fig. 82, fig. 83, fig. 84 et fig. 85.
(12)- محمد بن علي الدكالي، نفسه، ص 52
(13)-انظر: جعفر الناصري، سلا ورباط الفتح، الجزء الأول، ص 122، مخطوط.
انظر: خالد الناصري، الاستقصا....، الجزء الثامن، ص 76- 78
(14)- خالد الناصري، كتاب الاستقصا...، الجزء الثامن، ص 76- 78

 
 
< Précédent   Suivant >

Selwane.TV||Reportages

Participez à la réussite de votre portail! 

Connectez-vous

Les oubliés des élections

Portail dédié au projet d'aménagement de la valée du Bouregreg

flash infos

سهرة في فن الفادو بمدينة الجديدة

Lire la suite...
 
© 2003 - 2017 Selwane.com All rights reserved.
ayyoo | Selwane.TV | amwaj | settatbladi.org