Ce portail est maintenant disponible en tant qu’archive uniquement. Merci à tous ceux qui ont contribué à promouvoir le patrimoine culturel de la ville de Salé et du Maroc depuis 2002.

هذه البوابة متاحة الآن كأرشيف فقط. شكرا لجميع الذين ساهموا في تعزيز التراث الثقافي لمدينة سلا والمغرب منذ 2002
Accueil arrow Webzine arrow النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية
 

 À propos de Selwane.com     Contactez-nous/Envoyer un article
النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية Version imprimable Suggérer par mail
Ecrit par النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية   
تمهيد
١.٠. عندما كنت أشتغل بمادة كتاب "من النص إلى النص المترابط" أواخر التسعينيات كانت المشاركة العربية في الفضاء الشبكي محدودة وضعيفة جدا. وكان الانشغال بما يجري حولنا من أمور تتعلق بالحاسوب وعتاده وبرمجياته واستعماله شغل فئة قليلة من التقنيين، والتفكير في مثل هذه القضايا والإشكالات أشبه بالمنعدمة. ولما كنت أساهم في بعض الندوات بموضوع يتعلق بالنص الإلكتروني أو المترابط كان يتلقى ذلك بكثير من الاستغراب والاستهزاء. ووقفت متابعة الاشتغال في هذا الموضوع الذي كان يأسرني لاعتبارات كثيرة فسرت بعضها في الكتاب المشار، وسأعمق العديد منها في هذا الكتاب.

كان الكتاب محاولة للتحسيس والتحفيز من جهة، ودعوة إلى تفكير والمتابعة والمواكبة من جهة ثانية. وتم تقبل الكتاب قبولا حسنا، وكثرت حوله الدراسات، واستندت إليه الكثير من المقالات، وبالدرجة الأولى في المشرق العربي. وكان للملف الذي صدر عن ملحق الاتحاد الاشتراكي وكتبت تصديرا له أثره الكبير في تحفيز العديد من الكتاب والمبدعين إلى الالتفات إلى هذا الموضوع، وصار العديد منهم يفكر في إنشاء موقع أو إعداد مدونة، ، ، وصارت بعض الجمعيات ترى فيه مجالا خصبا لتنظيم ندوات وعقد لقاءات ساهمت في العديد منها. وكانت الأسئلة التي تطرح تبين أن هناك بداية للانشغال، وشروعا في الاهتمام بقضايا الحاسوب والفضاء الشبكي وإشكالات الإعلام والتواصل.
اعتبر بعض القراء ذلك الكتاب بداية مسار جديد في دراساتي وأبحاثي النقدية. واعتبره آجر سابقا لأوانه، وأن الاهتمام بما طرح فيه سيكون الموضوع المستقطب للاهتمام بعد عقدين أو أكثر من الزمان، ، ،

النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية

كنت أقدر التساؤلات المشككة، والأسئلة المحفزة. غير أني كنت أرى في الوقت نفسه أنه ليس تحولا في مساري النقدي: فالبنيوية التي اشتغلت بها ردحا طويلا من الزمان هي التي قادتني، بشكل طبيعي إلى الانخراط في هذه القضايا، ولذلك أعتبر هذا الكتاب امتدادا وتطويرا لمساري النقدي. وما كان يحز في نفسي، هو أننا لم نكن نرى أن العالم يتحرك من حولنا، ونحن قابعون نجتر أطروحات حول:
الما بعديات        : المتصلة بالبنيوية وبالحداثة و بالاستعمار، ، ،
النهايات والموت    : المتعلقة بالتاريخ والإيديولوجيا وبالمؤلف، ، ،
ما بين الحضارات    : وهل ما يجري صدام أم حوار؟ 
بكثير من البلاهة والسذاجة والعفوية، ونحن عاجزون عن التوقف لمساءلة ما يجري، ونعمل على فهمه في سياق تحول البشرية برمتها وتطورها الكبير.
كانت هذه "الأطروحات" بمثابة فقاعات "تنظيرية" تظهر لتختفي، ونظل نحن ومتمسكين بها، مترجمين كل ما يدور في فلكها، وكأنها "إبدالات" Paradigmes معرفية حقيقية، في حين لم تعد كونها صياغات معرفية ذكية لتصورات إيديولودية وسياسية لإدارة الصراع. وفي الوقت الذي طان فيه الآخرون يمارسونها، واقعيا، كنا نتلهى بها، نظريا، غافلين عما ينطوي عليه، صارفين النظر عما هو أساس وجوهري لدخول العصر من منظور متطور وعميق.
في هذا السياق جاء إقدامي على نشر ذاك الكتاب ليكون محفزا للتفكير في حقبة إنسانية جديدة، علينا الانخراط فيها، وفي الوقت نفسه البحث في شروطها وملابساتها. أما اتخاذ الموقف منها دون المشاركة الفعلية فيها، فليس سوى تأكيد تأخرنا عن المساهمة فيها.
٢.٠. ما بين تفكيري في صدور الكتب ونشره، والآن حدثت أمور كثيرة مثل:
تأسيس اتحاد كتاب العرب للأنترنيت.
ظهور اجتهادات محمد سناجلة لكتابة نص رقمي.
بداية ظهور مقالات وكتب تتصل بالنص المترابط وبالتفاعل.
بداية تنظيم ملتقيات ومؤتمرات حول العصر الرقمي والثقافة الرقمية (البحرين(1) / طرابلس(2) / عمان(3)،،،).
تزايدي عدد المواقع الشخصية للكتاب والفنانين وظهور مواقع للمؤسسات الحكومية والخاصة.
ظهور المدونات والمنتديات العربية، وتسارع نشاطاتها.
بداية الاعتناء بالمعلوميات وما يتصل بها في التعليم العمومي.
تضاعف عدد المكتبات والمجلات والصحف الإلكترونية العربية.
بداية الاهتمام بصناعة البرمجيات العربية، والعمل على تعريب بعض البرمجيات الأجنبية، ، ،
    كل هذه التطورات المتلاحقة، في العالم العربي، تبين لنا أننا بدأنا نمارس نوعا من الانتقال إلى ما يقدمه لنا هذا العصر من إمكانات، ونستفيد مما يوفره لنا من وسائل وتقنيات، رغم أن كل ما تحقق هو دون الحاجات والإمكانات والطموحات. وصار بالإمكان الآن لأي مثقف عربي منخرط في هذا الفضاء المعرفي الجديد أن يتعرف على ما يجري في أي مكان في الوطن العربي ويواكب المستجدات في حينها. وكان هذا إلى وقت قريب جدا أشبه بالمستحيل.
    حصل هذا التطور نتيجة عوامل موضوعية نجملها فيما يلي :
١.٢.٠. الإتاحة : تبرز لنا هذه النقطة في كون الحاسوب وبرمجياته وعتاده تطور بسرعة مذهلة، وتعددت أجياله وشركات إنتاجه وتسويقه. وكان للوفرة دورها الحاسم في رخص الأثمنة وتحسن الأداء. كما أن الاشتراك في الفضاء الشبكي (الإنترنيت) صار متاحا لكل من يرغب فيه بثمن متيسر، حتى أن ممثلي اتصالات المغرب، مثلا، صاروا يطرقون أبواب البيوت لتيسير عملية الحصول على الاتصال بالشبكة في البيت. كما أن الأقراص المدمجة الأصلية صارت تباع بثمن بخص دراهم معدودات. وأذكر أني اشتريت أول قرص للقرآن الكريم بمائتي درهم، وكانت النسخة غير أصلية. أما الآن فيمكن الحصول على القرص بثمانية دراهم سواء كان برنامجا أو غيره.
٠ .٢ .٢. الإفادة : بدأ إدراك فائدة الحاسوب الموصول بالفضاء الشبكي يتسع بقوة. وصار الآباء ذوو الدخل المحدود والثقافة البسيطة يرون ضرورة توفير الحاسوب لأبنائهم بسبب التسهيلات في الأداء مع رخص الثمن. كما أن تمثل المردودية من استعمال في البيت للترفيه والتعلم أو الاتصال المجاني بالعائلة أبرز الحاجة الضرورية لامتلاكه وتوظيفه. عندما كنت أوزع بحوث الإجازة على الطلبة منذ سنة ٢٠٠٠، وكانت تتصل بالثقافة العربية في الفضاء الشبكي، كان عدد الطلبة الذين عندهم حاسوب في البيت لا يتعدى الواحد، أمما من يمتلكون اتصالات بالفضاء الشبكي غلا أحد. وفي السنة الجارية، كان كل الطلبة الذين اشتغلوا معي عندهم، تقريبا، حاسوب واتصال بالشبكة. إنه تحول حقيقي، يبين السرعة الفائقة التي تجري بها الأمور.
    لكن هذا العامل الموضوعي لم يواكبه عامل ثقافي وفكري حقيقي. فالكتابات ذات الطبيعة النظرية أو الاجتماعية أو المعرفية حول هذا التحول ما تزال ضئيلة جدا. كما أن النقاش العلمي حول الوسائط المتفاعلة من الناحية التربوية والفلسفية ما يزال منعدما على عكس ما نجد في الغرب، حتى اتسعت دائرة المتخصصين في الوسائط الجديدة، ولعل أهم النقاشات التي أثارتها هذه الوسائط في بلادنا، مثلا، تتصل عادة بالجرائم الإلكترونية والإرهاب الإلكتروني التي تدخلت فيها جهات أجنبية، وتداولتها الصحافة وشغلت الرأي العام مدة ثم خمدت.
    كانت هذه مناسبة هامة للتحسيس ولإثارة الانتباه. ولكن ضعف التكوين العلمي والفلسفي في هذا القطاع المعرفي في حال دون ذلك. فعاد الصمت مجددا ديدن المتابعين والمحللين.
٣.٠. إن مستقبل الثقافة العربية رهين عمل المثقفين. وبدون انتقال عمل المثقفين من محاولات التعبير عن المواقف أو تأويل الظواهر إلى استباق الفعل الثقافي للانخراط في المناخ المعرفي والعلمي الذي يؤثر في حياة الناس، سيظل عمل المثقفين هامشيا وثانويا. إن عملية الاستباق هذه تكمن في إدراك جوهر التغيير الذي بدأ يمس أسباب الحياة العامة ليؤثر فيها عدة أجيال قادمة. ويتمثل الفعل الثقافي، في هذا السياق، في الانخراط في النقاش العلمي والمعرفي الجادين والعميقين في مختلف القضايا التي بدأت تقولب حياة المجتمعات، بما فيها العربية، وتمدها بمقومات جديدة في ظل تحولات جذرية جديدة.
    سيزداد تأخرنا التاريخي إذا لم يساهم المثقفون في الوعي بأن هناك "فجوة رقمية"(4) وبأن عليهم العمل على ردم هذه "الفجوة الرقمية" التي لا يمكنها إلا أن تزداد اتساعا مع الزمن المتسارع الخطى.
يتمثل هذا الوعي وذاك العمل فيما يلي:
    أ- فتح وخوض نقاش علمي معرفي حول الواقع الجديد الآخذ في التشكيل، ولا عبرة بالمسميات في حد ذاتها، أو اتخاذ المواقف الجاهزة منه: العولمة، العصر الرقمي، عصر القطب الواحد، ، ، وذلك بهدف فهم وتفسير الآليات التي تسهم في بلورة وتعيين ثوابته ومتحولاته وآثاره الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.
ب- العمل من أجل ترسيخ الوعي بأهمية وضرورة الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج. وذلك عن طريق الإيمان بأننا لسنا أقل من الآخرين إمكانيات أو مؤهلات. ويكفي القليل من الجهد والتخطيط والإرادة لننتقل إلى الإسهام في تطوير الصناعة البرنامجية العربية وتطوير الرقميات كتيكنولوجيا متطورة. فعندما يقدم شباب عرب (دون العشرين)، مثلا، على اختراق مواقع حساسة في القضاء الشبكي الأمريكي ويعيشون فيها فسادا، أو تقع مواجهات إلكترونية بين حزب الله وإسرائيل، ، ، والأمثلة كثيرة لو أردنا استقصاءها، لدليل على أن المؤهلات متوفرة، لو تم التخطيط الجاد لذلك. ولنا في تجارب الهند وباكستان وسواهما ما يبين أن الانتقال إلى مرحلة جديدة من الإنتاج لا تحتاج إلا إلى إرادة سياسية ومعرفية.
    ج-العمل على التلاؤم مع العصر. إن معضلتنا، نحن العرب، تكمن في أننا نعيش في عصر بتصورات عصر سابق. ويؤدي هذا، في أغلب الأحيان، إلى أننا لا نندمج فيه بسرعة، ولا ننخرط فيه بصفة إيجابية. لذلك فالإحساس بالاستهداف من لدن الآخر "الذي يريد بنا شرا"، بدل أن يدفع بنا إلى تمثل القيم والمعارف التي يحملها لنحاربه ونواجهه بواسطتها، يجعلنا نرفض تلك القيم والمعارف، رغم أنها إنسانية، وليست ملكا له، لأنها وليدة التطور الإنساني.
    هذا الموقف الذي مارسناه منذ عصر النهضة إلى الآن هو الذي يقف عائقا دون اندماجنا في العصر الحديث، ويجعل إمكانية فهمنا لآليات العصر متعثرة وناقصة، ويجعل مشاركتنا فيه، تقوم على الاستهلاك لا الإنتاج.

٠ . ٤. لهذه الاعتبارات، وانطلاقا من هذا التصور، يأتي هذا الكتاب لـ :
    أ- ترهيم القضايا التي طرحت في "من النص المترابط": فالباب الأول في هذا الكتاب ينطبق من الباب الثالث في الكتاب السابق وهو دعوة إلى تجديد الوعي بالنص والإبداع والنقد، وفتح المسارات الجديدة والآفاق التي عليه أن يرتادها لتجديد نفسه وأداته وتصوراته ليتقدم من خلال لإبداع جديد يقوم على الترابط والتفاعل من جهة، وليسهم في تشكيل وعي نقدي جديد يتسلح ليس فقط بالعلوم اللغوية والبلاغية، ولكن عليه أيضا أن ينفتح على مجالات تتصل بالصورة والتشكيل والرسم والموسيقى، وعلى علوم تتصل بالإنسانيات والمعرفيات والذكاء الاصطناعي والرقميات والإعلام والتواصل، ، ،
    ب- جعلنا الباب الثاني خالصا لطرح مشكلات تتصل بالكتابة العربية عموما في ضوء الكتابة الرقمية. وذلك بغية إعادة النظر في الكتابة العربية لتجديدها، والتوافق بشأن قواعدها لجعلها قابلة للتلاؤم مع الوسيط الجديد الذي يستدعي كتابة تقطع مع الشفوية والكتابية التقليديين. إن تجديد الكتابة العربية في كل المجالات من الكتابة اليومية إلى البحث الأكاديمي، مرورا بالكتابة الإبداعية والصحفية، من المتطلبات الأساسية لتطوير اللغة العربية وجعلها قابلة للتطور ومعانقة الجديد. ويمكن اعتبار هذا الباب واسطة العقد لأنه يتوجه إلى الإشكالية المركزية المتعلقة بالكتابة العربية لذلك فصلناها مقتنعين بأن الانتقال الإيجابي إلى الكتابة الرقمية لا يمكن أن يتم أو يتحقق بدون حل مشاكل الكتابة العربية المتعددة.
    ج- أما الباب الثالث فجعلناه مقدمة للأدب الرقمي من خلال تتبع بعض الآراء الغربية والأمريكية للتعرف على خصوصياته وهو يتقدم إبداعا جديدا، يستدعي أشكالا جديدة من التواصل والقراءة والبحث. وفي ذلك محاولة لمقاربة التجارب التي سبقتنا في هذا المضمار بهدف التعرف عليها، لا استنساخها، لأننا نعول على طاقات مبدعينا وإمكانياتهم في الإبداع والتخييل. وسنعمل إن شاء الله على تطوير هذا الباب في كتاب خاص قيد الإعداد حول الأدب الرقمي.
    إن هذا الكتاب، وهو يحاول الانخراط في عالم قيد التشكيل بالنسبة إلينا نحن العرب، يرمي بشكل أساس إلى الدعوة إلى التسلح بشيئين متضافرين. هذان الشيئان هما: المعرفة العلمية والتكنولوجيا. والقاسم المشترط بينهما هو: العلم المؤسس على قاعدة معرفية وفلسفية. لطالما فرط مثقفونا بالعلم ذي البعد الإنساني، مركزين على علم خاص جدلي لأننا نرفض الوصف والتفسير، ونظل نحلم بالتغيير. ولما فشلنا في تحقيق التغيير، لأننا لم نهتم بالعلم، ها نحن نجد أنفسنا نفكر في التأويل وكأنه الذي ينقصنا لممارسة التغيير، متغافلين أن كل تاريخنا الفكري الحديث تأويلات في تأويلات. وكانت النتيجة فساد الحلم وعدم نفاذه.
    يتضح لنا من خلال تأمل ثقافتنا العربية خلال القرن العشرين أن كل تأويلاتنا التي أنجزناها باتت نسيا منسيا. سنظل نحلم، وها نحن نستعيد التأويل ولكننا سنظل نؤول أحلامنا بطريقة غير مطابقة إلى ما شاء الله. والسبب هو أننا نستبق إلى التأويل ونحلم بالتغيير، وليست عندنا عدة التأويل والتغيير. هذه العدة التي طالما جانبناها متجنبين الخوض فيها، هي العلم. والعلم هو مفتاح الفهم، والفهم يدفع إلى التفسير الذي بدونه لا يمكن أن يكون التغيير.
    عندما نتساءل ماذا راكمنا في فهم واقعنا والعالم من حولنا، نجد أنفسنا بمنأى عن أي فهم. نخطئ الفهم، ونكتشف الخطأ، ونعاود ارتكابه، بطريقة أخرى، في مرحلة أخرى، وهكذا دواليك.
    إننا لسنا بمنجاة من الاقتناع بأهمية العلم والتكنولوجيا ليكون لثقافتنا مستقبل هو غير كل هذا الماضي (منذ عصر النهضة إلى الآن) الذي كان مستقبلها في يوم من الأيام.
    هذا هو رهان المستقبل، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. وبالله التوفيق.
سعيد يقطين
تمارة أبريل ٢٠٠٧
 
مقدمة
١.٠. نهدف في هذا الكتاب على تأكيد أن دخولنا العصر الرقمي وتلاؤمنا معه يتحقق عبر إنتاج "النص المترابط" وانتهاج الترابط النصي محورا أساسيا في التفكير والعمل. كما أن ممارسة "الترابط" لا يمكنها أن تتحقق إلى بتجديد "الكتابة العربية" من المقال الصحافي إلى الأطروحة الأكاديمية مرورا بكل أنواع الخطاب التي ننتج في الأدب والفن والاجتماع والاقتصاد والثقافة والبحث العلمي.
هذا التجديد ينبغي أن يبدأ من الاهتمام بقواعد النحو واللغة والإملاء وعلامات الترقيم إلى تنظيم النص تنظيما يراعي بناءه الذي ينهض على التفكير والتدبر، ويسمح للقارئ بالتفاعل معه وفق قواعد وتقنيات مشتركة تسهم في إنتاج تواصل جديد.
كما أن هذا التجديد يستدعي التمرس بالمعلوميات تمرسا حقيقيا، لا أداتيا فقط، وذلك بهدف تحقيق انتقال مفكر فيه لمزاولة الكتابة الرقمية العربية رهان الكتابة في المستقبل.
محاولة منا في الانخراط في هذا التجديد، جعلنا هذا الكتاب يشارك عن أطروحة مركزية. ما كان لهذه الأطروحة أن تتشكل لدينا أو تتبلور لولا ما تطارحناه في "من النص على النص المترابط"، ولولا اضطلاعنا بتطوير القضايا والإشكالات التي تمحور حولها. لقد جعلنا مدار ذاك الكتاب فكرة مؤداها: الوسيط الجديد يؤدي إلى خلق أشكال جديدة للإنتاج والتلقي. وكان الهدف المركزي الذي ننشد يتمثل في حث المثقفين والكتاب والأدباء والفنانين على الانتباه إلى الأشكال التعبيرية الجديدة التي بدأت تظهر في أمريكا وأوربا، وفي الوقت نفسه دعوة النقاد والباحثين على الاهتمام بالتطورات التي لحقت بالنظريات الأدبية بسبب ظهور ما يسمى ب "النص المترابط" و "الأدب التفاعلي" أو "الدب الرقمي"، وبمختلف أنماط الدراسات في مختلف المجالات التي تتصل بالإنسان في علاقاته بأشكال الإعلام والتواصل الجديدة.
أما الأطروحة التي يبني عليها هذا الكتاب فيمكن تلخيصها في العبارة التالية: "إن توظيفنا تكنولوجيا الإعلام والتواصل في إنتاج النص وتلقيه لا يعني بالضرورة أننا دخلنا العصر الرقمي. وأننا مطالبون لدخول العصر الرقمي تمثل روحه لا الاكتفاء بوسائله وأدواته".
لقد دافعنا في الكتاب السابق عن ضرورة دخول العصر الرقمي. وبناء على ما سجلناه في تمهيد هذا الكتاب نرى أن هناك تقدما نسبيا بدا يطرأ في علاقاتنا بتكنولوجيا الإعلام والتواصل، ونحن مطالبون بالتلاؤم مع هذا العصر. إذ لا يمكن تصور دخول حقيقي إلى العصر بدون تحقيق هذه الملائمة.
٢.٠. إن دخول العصر الرقمي يفترض التلاؤم مع مختلف إنجازاته برؤية واضحة وإستراتيجية بعيدة المدى. ومعنى ذلك، بتعبير آخر، وهو أننا بدأنا "ندخل" عالم الرقميات ولكننا محملون بذهنية ما قبل رقمية. والغريب هو أننا نتصور، ونحن نمارس هذا الدخول أننا ننتقل فعلا إلى العصر الرقمي. يعود السبب في ذلك إلى أننا نتعامل مع الوسيط الجديد الحاسوب والفضاء الشبكي باعتباره أداة أو وسيلة (تكنولوجيا)، لكن بدون روح تتلاءم معها.
يبدو ذلك في كوننا نتعامل، في غياب وعي رقمي، مع هذه التكنولوجيا تعاملا ذرائعيا، فالحاسوب ليس سوى آلة كاتبة متطورة، والتجوال في الفضاء الشبكي لا يختلف عنه في المكتبات غير المنظمة. وإبداعاتنا ومختلف أنماط كتاباتنا ومكتباتنا التي نقلناها إلى الفضاء الشبكي ظلت محافظة على كل مكوناتها ما قبل الرقمية. ولذلك كان ما يزخر به الفضاء الشبكي العربي هو فقط عبارة عن نصوص "ورقية" ذات بعد كتابي(طباعي) حولت، بواسطة ترقيمها، إلى شاشة الحاسوب.
عندما لا تتغير أنماط كتابتنا، تلقيا وإبداعا، وتتلاءم مع مقتضيات الوسيط الجديد ومتطلباته، يكون لذلك معنى واحد هو: عدم التلاؤم مع العصر. لذلك فإننا بتمييزنا بين الإلكتروني والرقمي، نكون نحدد نمط الدخول الذي قمنا به، ونحن نتعامل مع هذه التكنولوجيا، باعتبارها أداة فقط. إن هذا النمط يؤكد أننا مازلنا في المرحلة الإلكترونية ويتعين علينا لدخول العصر الرقمي والتلاؤم معه، العمل على الارتقاء إلى المرحلة الرقمية.
٣.٠. لا يمكننا الحديث عن مرحلة رقمية في الإنتاج والتلقي بدون حضور وعي رقمي، وتفكير رقمي، ورؤية وفلسفة رقمية للأشياء والعالم. ودون تحقيق ذلك حديث ونقاش فلسفي واجتماعي ومعرفي، ، ، لم نتجاذب أطرافه بعد لتحديد نمط هذا الوعي وذاك التفكير وتلك الفلسفة والرؤية. إن الأسئلة التي تقودنا إلى خوض مثل هذا النقاش لتجديد الرؤية والتفكير هي من قبيل:
- كيف نعيش عصرنا؟
- كيف يمكننا أن نفكر رقميا؟
- كيف يمكننا أن نكتب رقميا؟ وكيف يمكننا أن "نقرأ" رقميا؟
- هل طرق التفكير والكتابة التي انتهجناها في غياب "الرقميات" و"الوسائط المتفاعلة" هي نفسها التي علينا مزاولتها في حضورها؟
- هل التفكير في الأدب وتدريسه، على سبيل التمثيل، يجب أن يظل كما كان في القرن الماضي؟ أم أن عليه التلاؤم مع مرغمات الوسائط الجديدة وشروطها ونحن في بدايات القرن الحادي والعشرين؟ هل حصل تطور حقيقي؟ أم أنه تطور شكلي أداتي فقط؟
- هل على الكتابة الصحفية في الفضاء الشبكي، مثلا، أن تضل متصلة بالنمط الذي كان سائدا قبيل الكتابة الرقمية؟ أم أن عليها الارتقاء إلى المتطلبات الجديدة؟
- لما يطرح عندنا بعد الحديث عن الدولة والانتخابات الرقمية، فهل سنمارس الانتخابات، وقد صارت هذه الأمور واقعا، بالشكل الذي يمارس الآن؟ أم أن الرقميات، في المجال السياسي، ستظل بمنأى عن الانتقال إليها، وإن صار الآن من الممكن الحديث عن "الهوية الرقمية" في العديد من البلاد العربية؟ !...
ما أكثر الأسئلة التي يفرضها علينا العصر الرقمي، وما أكثر ما علينا تحقيقه للتلاؤم معه. آن لنا أن نقطع مع الدون كيخوتية العربية، وقمين بنا العمل على التلاؤم مع العصر الذي نعيش فيه دون الخوف من الذوبان أو التلاشي. ولنا في تجارب العديد من الأمم الحديثة التي ظلت محافظة على هويتها وأصالتها وارتقت في السلم الحضاري (الصين مثلا) حتى باتت تشكل خطرا على أعتى الأمم وأقواها.
إن رهان الثقافة العربية ومستقبلها موصولان باقتحام العصر الرقمي بوعي جديد وبرؤية جديدة. أما العيش فيه بذهنية تقليدية فلن يسهم في تطورنا البتة. قد تكثر المواقع الإلكترونية والمدونات، ، ، ولكن بدون تجديد: الذهنية، واللغة والكتابة، وطرائق التفكير، ، ، سنظل بمنأى عن التلاؤم مع العالم الذي يحيط بنا، وتكون مساهمتنا فيه محدودة وضيقة كما هو الأمر الآن.
إذ دخولنا العصر الرقمي وتلاؤمنا معه يتم عبر إنتاج "الترابط النصي" محورا أساسيا في النظر والعمل ولا يمكن أن يتحقق ذلك بالطريقة المناسبة دون تجديد الكتابة العربية. هذا التجديد ينبغي أن يبدأ من:
1-رد الاعتبار لقواعد اللغة في النحو والصرف والإملاء، وعلامات الترقيم والوقف وتنظيم النص تنظيما يراعي بناءه التركيبي والدلالي. إننا نلاحظ أن النطق باللغة العربية والكتابة بها في الفضاء الشبكي وفي الفضائيات العربية وصلا أقصى درجات الانحطاط التي لم تصلها حتى في ما يسمى بعصور الانحطاط التي سادت فيها الأمية والجهل.
2-التمرس بالمعلوميات تمرسا حقيقيا، وجعل محاربة الأمية المعلوماتية مدخلا لمحاربة مختلف أنواع الأمية التي تسود المجتمع العربي، وهذه هي المناسبة. وعلينا عدم الاكتفاء مع المعلوميات تعاملا أداتيا فقط، وذلك للانتقال إلى مزاولة الكتابة الرقمية مع الزمن باعتبارها الشكل الكتابي المستقبلي.
عندما نفكر في، ونعمل من أجل، تجديد الكتابة العربية لتكون رقمية، نكون نجدد لغة التواصل بيننا، ونقدم بذلك خدمة جليلة للغة العربية، فنرتقي بالإبداع بها والتواصل بها إلى أسمى الدرجات. وبذلك يمكننا تجديد ثقافتنا العربية وضمان مستقبلها الذي هو مستقبل الإنسان العربي.
 
< Précédent   Suivant >

Selwane.TV||Reportages

Participez à la réussite de votre portail! 

Connectez-vous

Les oubliés des élections

Portail dédié au projet d'aménagement de la valée du Bouregreg

flash infos

3ème festival international du film des femmes de Salé du 28 Septembre au 3 Octobre
 
Lire la suite...
 
© 2003 - 2017 Selwane.com All rights reserved.
ayyoo | Selwane.TV | amwaj | settatbladi.org