فاطنة بنت الحسين
Ecrit par الاتحاد الاشترا&   

حسن نجمي

رحيل صوت غنائي شعبي من عمق البادية المغربية 
فجأة، عاجلها نزيف طارئ في الدماغ. فنقلت على وجه الاستعجال قبل ثلاثة ايام من سكناها بسيدي بنور ( إقليم الجديدة ) إلى إحدى المصحات الخصوصية بمراكش. و مساء أول أمس، عادوا بها إلى بيتها بعد ان طلب الطبيب ذلك. و أسلمت الروح إلى بارئها صباح أمس، لتدخل منطقة الصمت الشاسعةهي التي عمت صوتها الرعوي على كل الجهات، عبر الأسطوانات  القديمة  من فئة 45 لفة، و عبر الإذاعة و التلفزة، وعبر الأشرطة الصوتية ثم أشرطة الفيديو و الأقراص المدمجة. وطبعا، من خلال الأعراس و الاحتفالات.

بدأت الغناء القروي ( غناء العيطة) في بدايات حياتها. ومثل صغيرات القرى، جربت صوتها الطفولي متأثرة بصوت و بصورة الشيخة الغالية التي جاءت من وادي زم إلى أحد أعراس المنطقة. وسرعان ما ستشد فاطنة الرحال إلى منطقة اليوسفية لتلتحق بمجموعة الشيخ المحجوب وزوجته الشيخه خدوج العبدية، حيث قضت أكثر من عشر سنين، بين أفراد هذه الأسرة الفنية الصغيرة. والواقع أن خدوج هذه هي التي علمتها أصول المهنة و تقاليدها حتى إن المرحومة فاطنة لم تكن تتردد في وصف المرحومة خدوج العبدية بكونها " الشيخة صنايعية".
ورغم أن بنت الحسين اشتغلت مع شيخة و شيخات عديدين، فإنها بعد مجموعتها الغنائية الأولى التي سجلت معها عديدا من الأسطوانات، عثرث في مجموعة أولاد بن اعكيدة على أسرتها الفنية الحقيقية الثانية و سجلت معهم أكثر من مائتي أغنية، سواء من قصائد و براول العيطة أو من الأغاني الشعبية. و لم تبتعد عن المجموعة إلا بعد ان تقدمت السن وتعب الجسد والصوت، ثم قررت الاعتزال بعد عودتها من الديار المقدسة قبل ثلاث سنوات، كما أكدت لي ذلك في لقاء جمعنا معا ببيت الفنان حجيب فرحان بالرباط.

والواقع أن شيخات محترمات، عميقات من حيث التجربة الفنية و طول المراس، من أمثال الشيخة  عيدة، و الحاجة الحمداوية،و المرحومة فاطنة بين الحسين و حفيظة الحسناوية و عايشة وحادة أوعكي ( الأمازيغية التي غنت العيطة أيضا) وغيرهن هن اللواتي أعدن لتراث العيطة المكانة اللائقة كفن غنائي موسيقي أصيل تعود جذوره كما نعلم – إلى الغناء البدوي الأول الذي عرفه المغرب مع زحفة القبائل العربية من بني هلال و بني سليم و عرب معقل وزغبة ورياح و أثيج، في ظل الدولة الموحدية وعلى عهد عبد المومن بن علي الكومي الذي اقتطع لهم الأراضي و أفسح لهم المجال لاستيطان المناطق الشاطئية على امتداد المحيط الأطلسي من مناطق حوض سبو إلى احواز مراكش ( الشياظمة، عبدة، دكالة، الشاوية، الغرب...) ودخولا إلى المغرب العميق باتجاه مناطق الدير ( بني ملال ونواحيها) والسراغنة و الرحامنة وقبائل زعير.

وتنبغي الإشارة إلى ان المرحومة فاطنة بنت الحسين كرمتها التلفزة المغربية في مناسبتين، من خلال الربامج الشهير، " نغمة وتاي" للمخرج القدير الإستاذ إدريس المريني، وكذا برنامج " بين جيلين" الذي أشرف عليه الزميل محمد الغيداني و قدمه الأستاذ ريان، أحد الوجوه التلفزيونية القديمة البارزة. كما خصصت لها المخرجة السنيمائية المغربية إيزا جنيني شريطا وثائقيا بعنوان " العيطة" ضمن سلسلتها الوثائقية الشهيرة حول الموسيقة التقليدية بالمغرب " المغرب: أجساد و أرواح".

تعازينا الحارة لشقيقة فاطنة بنت الحسين  ولكافة افراد اسرتها الكريمة و لزميلاتها و زملائها و لصديقاتها و أصدقائها في المهنة، و خاصة الفنان حجيب الذي كانت تعتبره امتدادا لها و إبنا رمزيا لها، و لمجموعة أولاد بن اعكيدة، و لكل شغوفين و الشغوفات بتراث العيطة النظيف، الأصيل الجميل العميق الذي أسيء كثيرا إلى أصالته، و خدشت صورته كأحد مكونات التراث الغنائي الموسيقي المغربي العظيم.